السيد محمد باقر الصدر
67
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
من التجربة عبارة عن قوانين ثابتة على نحو الاحتمال لا على نحو الجزم . وإذا ضممنا إلى هذا الاعتقاد اعتقادهم بأنّ جميع المعارف البشريّة قائمة على أساس التجربة ، خرجنا بنتيجة ، وهي أنّ كلّ معارفنا عرضة للشكّ ، حتّى المعارف الرياضيّة من قبيل أنّ « الواحد نصف الاثنين » الناتجة - عندهم - عن التجربة ، فحتّى هذه عرضة للشكّ ، شأنها في ذلك تماماً شأن القضيّة القائلة بأنّ « كلّ نار محرقة » . والحقيقة أنّ المجال لا يسع للدخول في هذا البحث بشكل مفصّل لبيان مختلف الاتّجاهات الموجودة لدى تيّارات المنطق التجريبي ومدى اعتراف كلٍّ منها بالشكّ واليقين ، فإنّه بحثٌ مفصّل « 1 » ؛ غير أنّنا نكتفي بالإشارة إلى مسألة ، وهي أنّه من المحتمل - احتمالًا قويّاً - أن يكون عجز الفلاسفة التجريبيّين عن تفسير حصول العلم هو الذي يقف وراء إنكارهم له ، فكأ نّهم إثر عجزهم عن ذلك أصيبوا ببلبلة في فكرهم ، فأدّت بهم إلى إنكار أصل حصول العلم . وهذا الإنكار يمكن تفسيره على أساس ما ذكرناه ، وأنّ حالة الشكّ الحاصلة لديهم ناجمة عن انحراف في سير فكرهم ، فإنّهم من ناحية أنكروا وجود معارف عقليّة أوّليّة ، ومن ناحية أخرى أرجعوا جميع المعارف إلى التجربة ، ومن ناحية ثالثة رأوا أنّ دائرة الكلّيّات أوسع من دائرة التجربة ، فما كان منهم إلّاأن أنكروا من رأس حصول العلم . إذن : مسألة الإنكار لديهم لم تعد مشكلة منطقيّة بقدر ما تعبّر عن مشكلة
--> ( 1 ) وقد تعرّض له الشهيد الصدر قدس سره لاحقاً في ( الأسس المنطقيّة للاستقراء : 550 وما بعد ) تحت عنوان : ( قضايا الرياضة والمنطق ) ، وقد كانت له وقفة خاصّة مع أنصار المنطق الوضعي